الجاسوس العاطل.. قصة قصيرة لـ”نبيه عبد المنعم”
بدأ يومه مبكرا كعادته ليركب أتوبيس النقل العام ويتنقل من أتوبيس لآخر يركب من أول الخط وينزل فى آخره يتلقط الأخبار ويتسمع أحاديث الناس واهتماماتهم .
ما يفرحهم وما يشقيهم .
رأيهم فى حكومتهم .
نظرتهم للعدو .
الأسعار وتأثيرها عليهم .
مدى الرضا أو الاحتقان .
شعبية التيارات السياسية .
موقع الدين من حياتهم .
كان ذلك جزء من عمله كجاسوس يستمع بنفسه ويحلل الواقع لينقله مع ما ينقل بالحبر السرى والشفرة إلى المسئول عنه فى مخابرات الأعداء .
كأنه ترمومتر يقيس كل ذلك ليتم نقله مع ما ينقله إلى معامل دولة الأعداء ليتم التشخيص ووضع العلاج لتظل أمراض البلد كما هى .
ثم انتقل إلى جزء آخر من مهامه كجاسوس وهو الالتقاء بشبكته فى الجيش بعضهم من كبار الضباط والأكثر من صغار الضباط وضباط الصف شبكة لا تعرف بعضها .
يعرفها هو وحده .
يلتقي بهم واحدا واحدا حسب الموعد المحدد لينقلوا له أنواع السلاح الجديد .
التدريبات . التحركات . أماكن الوحدات .
خطط التمويه .
وما يحدث داخل الوحدات بالتفصيل .
والرأي العام داخل الجيش .
أحاديث الضباط واهتماماتهم .
أولويات العساكر .
نظرتهم للعدو .
تم تجنيد كل واحد منهم بقصة نجاح شخصية له .
سنوات طويلة وهم يحرزون النجاحات الكبيرة بقيادته . لكنه فى أحد لقاءاته الأخيرة بأحد الضباط فى الشبكة سمع منه شيئا خطيرا .
لقد أخطأ العميل يوما وصور بعض الأشياء دون أن يأخذ الحذر الكافي فرآه أمن المعسكر .
لكن للغرابة . لم يحدث أى رد فعل سوى ابتسامة خبيثة وضحكة صفراء .
أمر العميل بعدم تكرار ذلك وباتخاذ جانب الحذر وعدم مقابلته حتى يستدعيه لحين التأكد من رد الفعل .
صبر شهورا والأمر كما هو .
لم يحدث للضابط أي شيء . بل إن الضابط أخبره أنه لاحظ اهتماما زائدا من رؤسائه وتكليفه بمهام أكبر .
فكر كثيرا في دلالة ما حدث للضابط لكن شغله أمر آخر بعد فترة .
أنه لاحظ أن الاهتمام بدأ يقل به و بشبكته من جانب من يعمل لحسابهم . مع أنه ينقل أخطر المعلومات وأدق التفاصيل .
لاحظ بعدها أن من يعمل لحسابهم بدأوا يتخلون عن حذرهم شيئا فشيئا عند التعامل معه ويكادون يتحدثون معه دون احتياطات ويرسلون له الرسائل على وسائل تواصل أقل تأمينا .
دب الرعب بقلبه ظنهم يضحون به وبمجموعته لكنه يعلم . مهما حدث فليست هذه طبيعة أعمال الجاسوسية ولا طريقة تصفيتهم ولا إيقافهم عن العمل . درس كثيرا وقرأ كثيرا فلم يرى مثل ذلك .
لم تطل حيرته كثيرا .
تم استدعاؤه إلى مقر مخابرات العدو ولكن أيضا دون تأمين كافى ودون المرور على عدة دول أولا كما كان يحدث .
وصل أخيرا إلى المقر ليجد المسئول عنه فى انتظاره . ودون مقدمات طويلة . قدم له مبلغا كبيرا من المال . وعقود تمليك لأراضى وأطيان داخل دولته نفسها .
نشكرك على تعاونك طوال تلك السنين .
هذه مكافأة نهاية الخدمة .
لا أفهم شيئا . ماذا حدث سيدى . هل قصرت فى شيء؟ ؟!!
وبكل هدوء رد المسئول
أبدا . أنت جاسوس ماهر وعميل مثالى
لم نعد بحاجة إلى جواسيس .
لقد أصبحت بلادكم مليئة بالجواسيس المتطوعين والعلنيين .
لقد أصبح لنا كبار موظفي ووزراء بلادكم يعملون معنا . ويخافون علينا أكثر مما نخاف على أنفسنا. وجدوا مصلحتهم معنا .
ولقد أصبح لنا أخيرا جاسوس يجلس على كرسى الرئاسة .
ولم يعودوا حتى مضطرين للتخفي . كل شيء سيكون معلنا قريبا .
. وبخصوص الشبكة التى كانت تعمل معى . هل أصبحوا عاطلين هم الآخرين . ؟؟
. لا أبدا بالنسبة للضباط . سيتم ترقيتهم وبعد سنوات يحين دورهم فى المجلس الأعلى وهيئة الأركان .
ومن يدرى . ربما يصبح أحدهم الرئيس القادم .